في أعماق الجبال، حيث لا تعبّر الطرق الوعرة عن صعوبة المسير فحسب، بل عن قسوة الحياة ذاتها، تبدأ حكاية حميد… رجل بسيط، فقير في ماله، غني في قلبه، عظيم في وفائه، وصادق في عهده مع الله.
حكاية رجل لا يراه الناس… لكن يراه الله
لم يكن حميد مشهورًا، ولا صاحب جاه أو سلطة. عاش حياة هادئة على هامش الضوء، يعرفه أهل منطقته بطيبته، وصبره، وابتسامته التي لم تفارقه رغم ما قاساه منذ طفولته.
فقد نعمة السمع في سنٍ مبكرة، فعاش سنواته الأولى محاطًا بالصمت، يتعلّم كيف يتأقلم مع عالم لا يسمعه، لكنه يشعر به بقلبه.
وفي لحظة ضعف، وربما لحظة صدق خالص، رفع حميد يديه إلى السماء، وقطع عهدًا لا يعلم به أحد سواه وربه:
إن مَنَّ الله عليه بنعمة السمع، فسيُصلح الطريق الجبلي الوعر، ويزيل العقبات من طريق المارّين، صدقةً جارية، وشكرًا لا ينقطع.
حين استجاب الله… بدأ الوفاء
شاء الله أن يُكتب لحميد ما لم يكن يتوقعه. عاد إليه السمع، لا دفعة واحدة، بل كنعمةٍ تتسلل إلى حياته رويدًا رويدًا، حتى أدرك أن الله قد وفّى بوعده.
وهنا… بدأ الاختبار الحقيقي.
لم ينسَ حميد عهده. لم يقل إن الفقر عذر، ولا إن الطريق طويل، ولا إن العمل شاق.
حمل أدواته البسيطة، وتوجّه إلى الطريق الجبلي الذي طالما أرعب المارّين، وكثرت فيه الحوادث، وعانى فيه الضعفاء وكبار السن.
تأثر حميد كثيرًا بقصص حدثت في هذا الطريق الوعر، خاصة عندما سمع أن امرأة توفيت فيه بسبب وعورة الطريق، إذ لم يتمكن السائق من العبور بسبب الأمطار التي جرفت الحجارة وأغلقت المسار.
عندها قرر أن يصلح الطريق بنفسه، دون أمر أو مساهمة من أي جهة منظمة. عمل بضمير وإخلاص، حتى إن بعض أهالي قريته انتقدوه قائلين:
لماذا لا تهتم ببناء منزلك بدلًا من إصلاح الطريق؟
فكان رده بسيطًا وواضحًا:
هذا عهد بيني وبين الله، ولن أتخلى عن عهدي ما دمت حيًا.
طريق الجبل… وطريق القلب
كان حميد يعمل بصمت.
يُزيح حجرًا، يردم حفرة، يُثبّت صخرة، ويُمهّد مسارًا.
لم ينتظر شكرًا، ولم يطلب مقابلًا، ولم يُصوّر عمله، ولم يُعلن عنه.
كل حجر كان يرفعه، كان دعاء.
وكل تعب كان صلاة.
وكل خطوة إصلاح كانت وفاءً لوعدٍ قطعه مع الله.
لم يكن الطريق مجرد طريق جبلي…
بل كان طريقًا يرمز لمعنى أعمق:
أن الإصلاح يبدأ من حيث يتألم الناس،
وأن الخير الحقيقي يُفعل حين لا يراك أحد إلا الله.
الإحسان الذي لا يضيع
مرّ الناس بالطريق ولاحظوا التغيير.
صار أسهل وأكثر أمانًا.

لم يعرف كثيرون من صاحب هذا الفضل، لكنهم شعروا بالراحة، ودعوا لمن كان السبب.
وهنا تتحقق القاعدة الأزلية:
الخير جزاؤه الخير… والإحسان جزاؤه الإحسان.
لم يغتنِ حميد مالًا، لكنه اغتنى طمأنينة.
لم يرتفع اسمه بين الناس، لكنه ارتفع قدره عند الله.
لم يُكتب اسمه على لوحة، لكنه كُتب في دعوات عابرة، وفي أجرٍ لا ينقطع.
ورغم فقره، كان يعيش حياة كريمة، ولم يفارقه رضا أرحم الراحمين أبدًا.
رسالة حكاية حميد
حكاية حميد ليست مجرد قصة رجل أصلح طريقًا جبليًا،
بل درس عميق في:
الوفاء بالعهد
شكر النعمة بالعمل لا بالكلام
الإيمان بأن أبسط الإحسان قد يغيّر حياة كثيرين
الصدق مع الله يجلب الخير والبركة.
وهي تذكير بأن الله لا ينظر إلى كِبر العمل، بل إلى صدقه،
وأن الطرق التي نُصلحها للناس قد تكون سببًا في تيسير طرقنا إلى الجنة.
دعاء
اللهم أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي،
اللهم ارزقني عملًا صالحًا يغنيني عن سؤال الخلق،
وارزقني الإخلاص والاجتهاد.
Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *




