لم تكن الهجرة يومًا خيارًا سهلاً، ولم يكن اليمني يومًا خفيف الانتماء حتى يترك وطنه بلا وجع. نعلم جيدًا أن الظروف القاسية، والأوضاع الراهنة، وضيق سبل العيش، كلها دفعت بالكثير من أبناء اليمن إلى الاغتراب بحثًا عن الأمان أو لقمة العيش أو فرصة حياة كريمة. ولسنا هنا لنقول لك: لا تترك وطنك، ولا لنمنعك من البحث عن وطنٍ ثانٍ يفتح لك أبوابه ويمنحك ما حُرمت منه في وطنك الأم، فذلك حقك الإنساني الكامل، ولا يملك أحد أن يصادره.
لكن، وبالمقابل، من حقنا جميعًا أن نقف موقفًا حازمًا عندما يتحول الاغتراب من وسيلة نجاة إلى منصة إساءة، وعندما يصبح الحديث عن الوطن الأم ملوثًا بالشتائم والتجريح والإنكار. من حقنا أن نمنع – أخلاقيًا على الأقل – التلفظ بأي كلمة سيئة بحق اليمن، مهما اشتدت الجراح، ومهما طال الغياب.
الوطن ليس فندقًا نغادره إذا ساءت الخدمة، وليس مؤسسة نلعنها لأنها لم تمنحنا ما نريد. الوطن كيان حي، تاريخ وذاكرة وهوية، أمٌّ وإن قست، لا تسقط أمومتها بالعجز ولا تلغى مكانتها بالأخطاء. حين يقول البعض: ماذا قدّم لنا الوطن؟ فإن السؤال الأجدر هو: ماذا قدّمنا نحن للوطن؟
المواطن الصالح لا يُقاس بقربه الجغرافي من وطنه، بل بعمق انتمائه له. ولو كنا صادقين مع أنفسنا، لأدركنا أن الوطن ينتظر من أبنائه البناء والعمل والإصلاح، لا الهروب من المسؤولية ولا تعليق الفشل كله على شماعته. نعم، هناك مخربون، وهناك فساد، وهناك ظلم، لكن هل كان الخراب يومًا مبررًا للتخلي الكامل أو للإنكار أو للشتم؟
قد يعترض الكثيرون على هذا الطرح، ويقولون: ما باليد حيلة، ولسنا أصحاب سلطة حتى نغيّر. وهنا لا بد من التوقف قليلًا للتأمل. التغيير لا يبدأ دائمًا من القمة، بل غالبًا ما يبدأ من فرد واحد آمن بفكرته، وأخلص لعمله، ورفض أن يكون سلبيًا.
ولعلّ قصة ذلك الشاب خير مثال. شاب يمني سافر للدراسة في بلد عربي، فرأى الفرق الشاسع بين بلده وبلدٍ آخر في النظام، والتعليم، والخدمات. لم يقف ليلعن وطنه، ولم يجعل المقارنة سكينًا يغرسها في خاصرة بلاده، بل جعلها دافعًا. قال في نفسه: بلدي تستحق الأفضل. فعاد بعلمه، وبفكره، وبإصراره، وسعى – رغم الصعوبات – إلى تحسين مستوى مجتمعه، ونجح بالفعل لأنه عمل بإخلاص، وآمن بأن الوطن ينتظره وينتظر أبناءه.
حب الوطن ليس شعارًا نرفعه في المناسبات، بل سلوكًا نمارسه في الغياب قبل الحضور. أن تحب وطنك يعني أن تختلف معه دون أن تهينه، وأن تنتقده دون أن تشتمه، وأن تبتعد عنه جسدًا دون أن تغادره قلبًا. اليمن اليوم جريح، والجريح لا يُهان، بل يُداوى.
ختامًا، رسالتنا لكل مغترب يمني: اغترب كما شئت، ونجح حيثما استطعت، وابنِ مستقبلك بكل قوة، لكن لا تجعل من نجاحك سببًا للتنكر لوطنك، ولا من ألمه مادة للسخرية. فاليمن، رغم كل شيء، لا يزال وطنك الأول، وسيبقى ينتظر أبناءه… ينتظر وعيهم، وعلمهم، وإخلاصهم، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها، لا بألسنة تلعنها من بعيد.
قدوة الشباب الحاضره الذي يجب على الجميع الإقتداء بفكرته وحبه العظيم لوطنه المعروف ب(أبو الأحرار).
بدأ حياته طالبًا في كلية دار العلوم بالقاهرة، وعاد إلى بلاده حاملاً في جعبته أفكارًا يصنع منها وطنًا كما يحلم، فقد أسس جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنها لم تستمر طويلاً، ومن بعدها نجح مع بعض من رفاقه في تكوين أول عمل صحفي من نوعه، ونجح في ذلك نجاحًا كبيرًا.
كان يتألم عندما يرى الفقر والجوع والمرض يلوذ بالشعب، وكان يبكي ولكنه صامد حبًا للوطن، لم يكن يظهر ضعفه أمام الجميع، فقد قرر الزبيري الانكباب على خدمة الوطن وتغيير نظرته من السعي لخدمة أسرته فقط إلى خدمة الشعب اليمني، ومن فوائد غربته إنه أدرك في مصر أهمية الدستور والحرية وتحديث التعليم، فعمل جاهدًا على تحسين الوضع.
تميز عن غيره بعقله الناضج وحبه لوطنه الأم. كانت بداية الزبيري مع الغربة بدايةً قاسية، وُلدت من رحم الرفض والتمرد قبل أن تولد من شوق الرحيل. لم يخرج من وطنه باحثًا عن راحةٍ أو حلمٍ شخصي، بل دُفع إلى الغربة لأن كلمته كانت أثقل من أن تُحتمل، ولأن صوته الحر لم يجد له مكانًا في وطنٍ كان يضيق بأبنائه الأحرار.
في خطواته الأولى خارج اليمن، شعر الزبيري أن الغربة ليست مكانًا فقط، بل حالة نفسية عميقة. كان يحمل وطنه معه في قلبه، في لغته، وفي شعره، حتى وهو بعيد عنه جسدًا. اصطدم بواقعٍ مختلف، بوجوه لا تشبه الوجوه التي ألفها، وبأيامٍ لا تشبه أيامه الأولى، فازدادت غربته قسوة حين امتزج الفقر بالحنين، والوحدة بالإحساس بالمسؤولية.
لكن الغربة لم تكسره، بل صقلته. تحولت معاناته إلى وعي، وألمه إلى شعر، وحنينه إلى موقف. في المنفى بدأ الزبيري يدرك أن ابتعاده عن الوطن لم يكن هروبًا، بل شكلًا آخر من أشكال النضال. فكتب عن اليمن أكثر، ودافع عنها بصوت أعلى، وكأن الغربة قرّبته منها بدل أن تبعده.
هكذا كانت بداية الزبيري مع الغربة: موجعة في ظاهرها، لكنها في عمقها كانت بداية تشكّل الشاعر والمناضل، وبداية علاقةٍ طويلة بينه وبين الحنين، علاقة لم تنقطع حتى آخر العمر.
الغرض من المقالة رسالة للشباب المغتربين: عدم انتقاد وضع البلاد، لا تجرح ولا تنكر وطنك الأم، لأن حب الوطن من الإيمان، لا تتلفظ بكلمات مسيئة بحق وطنك.
Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *




