كِتبه
ركيزة العز والسكينة

ركيزة العز والسكينة

الإخلاص هو المحرك الفعال لنهضة الأمة وصلاح حال العامة والخاصة،.

  • الإخلاص والنية الصادقة

– أثرهما في نهضة الأمة وطمأنينة القلوب

- مقدمة: الإخلاص أساس العز والتمكين للأمم

-

إن أكثر ما يصيب الأمم والجماعات من النكبات والكوارث القاصمة إنما يجره عليها أناس لا يرجون الله ولا الدار الآخرة؛ كعبيد الدنيا وعشاق الثروة والسلطة والجاه، الذين لا يبالون في سبيل تحقيق شهواتهم وتحصيل المجد الشخصي أن يخربوا دياراً ويدمروا أمماً بأسرها في سبيل التصفيق لهم والمديح والمراكز والمناصب.

لذلك، إذا أرادت الأمة الإسلامية نهضتها وأرادت عزها، فعليها بتوحيد الوجهة لله تعالى، والعمل على إزاحة من مردوا على الرياء والنفاق، وإحلال المخلصين الصادقين مكانهم، فبهم تنهض الأمة وبهم تعز. وكما قال ابن تيمية رحمه الله: "إن الإخلاص والتوكل جماع صلاح العامة والخاصة".

أولاً:

صعوبة الإخلاص وخفاء الرياء

الإخلاص عمل من أعمال القلوب، وهو أمر خفي بين العبد وربه، ولأنه يستلزم تخلص المرء من كل حظ دنيوي في أي عمل أراده، فإنه يُعد من أشد الأمور صعوبة على النفس.

حقيقة الرياء (الشرك الخفي):

ضد الإخلاص هو الرياء، وهو مرض من أشد أمراض القلوب خفاءً على الإنسان، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شرك خفي. فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس اتجقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشِّرْكُ فِي أُمَّتِي أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا».

خداع النفس وشهوة الخفاء:

يوضح الإمام الغزالي والمحاسبي رحمهما الله أن المؤمن قد يلجم نفسه عن شهواتها الظاهرة والمعاصي الواضحه ، ولكن النفس تبحث في الخفاء عن لذة أخرى قد لا يشعر بها العبد، وهي لذة الشعور بالرضا إذا علم الناس بصلاح أعماله. فتجد العبد يعجز عن طمع المعاصي الظاهرة، فيطلب الاستراحة إلى التظاهر بالخير، ويسعى إلى ثناء الناس ومدحهم وتوقيرهم حتى تصبح هذه الشهوة الخفية أحب إليه من شهوات الدنيا، وهي من أدق مكائد النفس التي لا ينجو منها إلا الصديقون.

رهبة السلف من الرياء:

لقد كان سلف الأمة على دراية تامة بخفاء الإخلاص وصعوبة معالجته:

قال سفيان الثوري رحمه الله: «ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي؛ لأنها تنقلب علي».

سئل سهل التستري رحمه الله: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: «الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب؛ أي ليس للنفس فيه نصيب وحظوظ من حظوظ الدنيا؛ لذلك كان عليها صعباً وشاقاً».

وقال أبو القاسم الجنيد رحمه الله: «الإخلاص سر بين العبد وبين الله لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله».

ثانياً:

الطمأنينة والسكينة في حياة المخلص

لا شك أن من يجعل وجهته إلى جهة واحدة، ويوجه همه إلى هدف واحد، فإن الراحة والطمأنينة والسكينة تملأ قلبه؛ وذلك لترك الأنداد والتوجه إلى الواحد القهار وأخلص النية لربه تعالى.

تشتت الهموم مقابل توحيدها:

أما من تعددت وجهته وتفرق همه وتشعبت به الأمور في أحوال الدنيا، فإن الاضطراب والتخبط يكونان شأنه؛ لأنه سيتقعب وينصب في إرضاء الخلق عنه ليدرك عرضاً من الدنيا وثناءً ومدحاً. وقد أورد ابن القيم رحمه الله في كتاب (إغاثة اللفان) تعليقاً على حديث نية طلب الآخرة والبدنيا: «ومن أبلغ العذاب في الدنيا: تشتت الشمل، وتفريق القلب، وكون الفقر نصب عيني العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عشق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب».

الأمن والهداية في الدنيا والآخرة:

لقد وعد الله تعالى من آمن ولم يخلط إيمانه بالشرك بأن له الأمن والهداية؛ قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [سورة الأنعام: 82]. وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك، فمن وحد وجهة الله وأخلص دينه كان جزاؤه الأمن والهداية الحقيقية في الدارين.

ثالثاً:

ثمار الإخلاص والنية الصادقة وآثارها

للإخلاص والنية الصادقة لله عز وجل آثار عظيمة وثمار يانعة يجنيها المخلص في حياته، من أبرزها:

تذوق حلاوة العبادة والأنس بالله:

يصور شيخ الإسلام ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله حال من ذاق طعم الإخلاص بقوله: "من ذاق طعم الإخلاص لله وإرادة وجهه دونها سواء يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك". بل إن المخلص يجد من السرور واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه، وهو السرور بالأنس بالله تعالى الذي لا يعادله سرور ولا فرح.

راحة البال ووحدة الهموم:

يجعل المخلص همه هماً واحداً وهو رضا الله عز وجل، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ».

عز الأمة وصلاحها:

الإخلاص هو الركيزة الأساسية لنهضة الأمم والجماعات، وبه تستقيم صفوف الأمة وتتجه طاقات وجهود أبنائها نحو بناء الحضارة وتحقيق النصر والتمكين.

مكائد النفس وصعوبة التخلص من الرياء

يقول الإمام الغزالي شارحاً كلام الإمام الححاسبي رحمهما الله:

إن العباد والأتقياء قد يقهروان أنفسهم ويجاهدونها ويطهرونها من الشهوات الظاهرة، ولكن تعجز أنفسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فتطلب الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم، فتجد مخلصاً من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بالوقوف والتعظيم، فتسارع إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده، وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه تتبدأ تحركه من حيث لا يدري مراعاة لذلك.

ولذلك قيل: "آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة". ومن أجل هذه الصعوبة وهذا الخفاء؛ كان لابد من التأصيل لهذا العلم -علم الإخلاص- وشرحه حتى يكون المسلم على بينة من الأمر، ولا يقع في حيل أهواء النفس وحبائل الشيطان.

أدعية مأثورة للإخلاص:-

اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل، اللهم طهّر نيّتي من الرياء، واجعل عملي خالصًا لوجهك الكريم، لا أبتغي به إلا رضاك».

«اللهم اجعل سرّي خيرًا من علانيتي، واجعل علانيتي صالحة، ووفّقني لما تحب وترضى».

«اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه»

«اللهم ارزقنا إخلاص النيّة في القول والعمل، واجعل سرّنا خيرًا من علانيتنا، واهدِ قلوبنا لما تحب وترضى».

التعقيبة — المقال التاليكثيرون يظنون أن سرطان القولون والمستقيم مرض يصيب كبار…الصحهسرطان القولون والمستقيم: الأعراض المبكرة والفحص وطرق الوقاية