يُعدّ المسجد الأقصى من أقدس الأماكن في الإسلام، وهو يحتل مكانة عظيمة في قلوب المسلمين لما له من أهمية دينية وتاريخية كبيرة. فقد كان أولى القبلتين، وهو ثالث الحرمين الشريفين، وهو المكان الذي أسري بالنبي محمد ﷺ إليه، ومنه عُرج به إلى السماء في حادثة الإسراء والمعراج.
على مدار العصور، تعرض المسجد الأقصى للعديد من التغييرات والاعتداءات، وكان محور اهتمام الباحثين والمؤرخين وعلماء الآثار. في الآونة الأخيرة، انتشرت مقاطع فيديو على الإنترنت تزعم أنها تُظهر أجزاء مخفية تحت المسجد الأقصى، على عمق يتراوح بين 12 و15 مترًا، وتدّعي وجود محراب مريم وسور القدس القديم الذي يُقال إنه بُني في عهد النبي سليمان عليه السلام بواسطة الجن.
لكن ما حقيقة هذه الادعاءات؟ وما مدى صحتها من الناحية التاريخية والأثرية؟
المسجد الأقصى: تاريخه وبناؤه
يرجع تاريخ المسجد الأقصى إلى عصور قديمة جدًا. وتذكر الروايات الإسلامية أن إبراهيم عليه السلام هو أول من أسس المسجد الأقصى، ثم جدد بناؤه العديد من الأنبياء من بعده، وكان من بينهم النبي سليمان عليه السلام، الذي عُرف ببناء المعابد والمنشآت الضخمة.
على مدار العصور الإسلامية، تم توسيع المسجد الأقصى وإعادة ترميمه أكثر من مرة، حيث شهد إضافات هامة في العهد الأموي، العباسي، المملوكي، العثماني، وأخيرًا في العصور الحديثة.
لكن بجانب المسجد الأقصى فوق سطح الأرض، هناك اهتمام متزايد بما يوجد تحته، حيث يدور جدل واسع حول الأنفاق التي تمتد أسفل المسجد، وأصولها التاريخية، والأهداف من التنقيب المستمر في تلك المنطقة.
الأنفاق تحت المسجد الأقصى: الحقيقة التاريخية
تشير الدراسات الأثرية إلى أن هناك بالفعل أنفاقًا وكهوفًا تحت المسجد الأقصى، ولكنها ليست جميعها من أصل واحد، بل تعود لعوامل تاريخية متعددة، منها:
- الزلازل الطبيعية التي ضربت المنطقة عبر العصور، مما أدى إلى انهيارات أرضية تشكّلت بسببها ممرات وكهوف تحت الأرض.
- عمليات الترميم والتوسعة التي قام بها الحكام المسلمون، حيث تم إنشاء سراديب تحت الأرض لدعم أساسات المباني.
- الحفريات الإسرائيلية التي بدأت منذ الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967، حيث قامت جهات إسرائيلية بأعمال تنقيب مكثفة تحت المسجد الأقصى بحجة البحث عن آثار من "الهيكل المزعوم"، وهو ما يشكل تهديدًا خطيرًا لسلامة المسجد.
هل يوجد "محراب مريم" تحت الأقصى؟
انتشرت في بعض المصادر غير الموثوقة معلومات عن وجود محراب مريم تحت المسجد الأقصى، ولكن لا يوجد أي دليل أثري أو تاريخي يُثبت وجود مكان بهذا الاسم في تلك المنطقة تحديدًا.
لكن من المعروف أن المسجد الأقصى يضم العديد من المواقع الإسلامية المقدسة، مثل:
- قبة الصخرة: حيث يُعتقد أن النبي محمد ﷺ عُرج به إلى السماء من هذه البقعة المباركة.
- المصلى المرواني: وهو مصلى تحت المسجد الأقصى يُعتقد أنه كان جزءًا من توسعة المسجد في العهد الأموي.
- البوابات التاريخية والأروقة القديمة: التي تعود إلى العصور الإسلامية المختلفة.
لذلك، فإن الحديث عن "محراب مريم" تحت الأقصى يحتاج إلى تحقيق علمي دقيق، وعدم الاعتماد على المعلومات المتداولة دون مصادر موثوقة.
هل بني سور القدس القديم بواسطة الجن؟
يرتبط النبي سليمان عليه السلام بالعديد من الروايات الدينية التي تتحدث عن تسخيره للجن في بعض الأعمال، كما ورد في قوله تعالى:
"وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ" (سبأ: 12).
لكن من الناحية الأثرية، فإن سور القدس القديم لا يعود بالكامل إلى عهد النبي سليمان، بل هو نتاج مراحل تاريخية متعددة، ومن أهمها:
- العصر الكنعاني: حيث أقيمت أولى التحصينات حول المدينة.
- العصر الروماني والبيزنطي: حيث شهدت القدس توسعات كبيرة وأُعيد بناء أسوارها.
- العهد الإسلامي: حيث تم ترميم الأسوار وتجديدها على يد المسلمين، وخاصة في عهد صلاح الدين الأيوبي والعثمانيين.
لذلك، لا يوجد دليل أثري قاطع يثبت أن سور القدس القديم بُني بواسطة الجن، لكنه كان جزءًا من الإرث المعماري العظيم الذي تعاقبت عليه الحضارات المختلفة.
أهمية المسجد الأقصى وضرورة نشر الوعي حوله
لا يمكن التعامل مع المسجد الأقصى باعتباره مجرد معلم تاريخي، فهو جزء من العقيدة الإسلامية، وهو قبلة المسلمين الأولى قبل تحويلها إلى الكعبة المشرفة، وهو أحد ثلاثة مساجد لا تُشدّ الرحال إلا إليها كما قال النبي ﷺ:
"لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (رواه البخاري ومسلم).
لذلك، من الضروري نشر الوعي الصحيح حول المسجد الأقصى وتاريخه، والاعتماد على المصادر الموثوقة عند تداول المعلومات عنه، خاصة في ظل كثرة الأخبار المضللة أو المشكوك في صحتها.
كيف نحافظ على حقيقة القدس والمسجد الأقصى؟
لحماية تاريخ المسجد الأقصى والقدس، يمكن اتباع الخطوات التالية:
- التحقق من مصادر المعلومات قبل نشر أي خبر أو مقطع فيديو حول المسجد الأقصى، والاعتماد على المصادر الموثوقة.
- دعم المؤسسات والمبادرات التي تعمل على توثيق التاريخ الإسلامي للقدس وحمايته.
- نشر الوعي حول القضية الفلسطينية، حيث إن المسجد الأقصى ليس مجرد معلم ديني، بل هو جزء من الصراع القائم للحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية للقدس.
- القراءة والبحث المستمر في التاريخ الإسلامي والوثائق الأثرية المتعلقة بالقدس، لفهم الحقائق بشكل أعمق.
الخاتمة
يظل المسجد الأقصى أحد أقدس الأماكن في الإسلام، وهو إرث ديني وإنساني عظيم، ومن واجب المسلمين في كل مكان الحفاظ على تاريخه، ونقل المعلومات الصحيحة عنه، ومواجهة أي محاولات لتشويه الحقائق أو نشر المغالطات.
الوعي والمعرفة هما أقوى الأسلحة في مواجهة أي تهديد يواجه المسجد الأقصى، فكن على يقين بأن نشر الحقيقة مسؤولية كل مسلم.
Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *