`
{وما كان ربك نسيا}

{وما كان ربك نسيا}

مال اليتيم… حين يتأخر العدل ولا يضيع

 

المشهد الأول: الرحيل والبداية الثقيلة

توفى الأب فجأة، وترك خلفه زوجة شابة وطفلًا رضيعًا لم يعرف من الدنيا سوى دفء حضن أمه.

لم يكن الحزن وحده هو الوجع، بل الخوف الذي تسلل إلى قلب أمٍ وجدت نفسها مسؤولة عن يتيم لم ينطق بعد كلمة “أبي”.

في ذروة الانكسار، حضر العم.

جاء بوجه الناصح الحريص، وعرض أن يتولى رعاية ابن أخيه، وأن يشرف على أمواله حتى يكبر ويشتد عوده. بدا الأمر وكأنه رحمة ساقها الله للأسرة المفجوعة.

اطمأنت الأم، وتحت ضغط الحاجة وقسوة الظرف، وقّعت توكيلًا يمنح العم حق التصرف في أموال الطفل وكأنه مالكها.

لم تكن تدرك أن توقيعًا في لحظة ضعف قد يكون بداية اختبارٍ طويل.

المشهد الثاني: السفر… والمال الذي تغيّر مساره

لم يكتفِ العم بالإدارة، بل باع كل ما يملكه ابن أخيه من عقارات وممتلكات، وجمع المال، ثم شدّ الرحال إلى أمريكا.

هناك بدأ حياة جديدة. عمل بجد، ووفّقه الله بوظيفة جيدة، ثم تزوج من أمريكية.

تعلم منها أسس الاستثمار، ودخل مجال تجارة السيارات.

توسعت أعماله، وازدهرت مشاريعه، حتى أصبح من كبار المستثمرين، وامتلك ثروة تُقدّر بالمليارات.

كان الناس يرون فيه قصة نجاح ملهمة.

لكن خلف كل قصة نجاح… كانت هناك بداية لم تُروَ كاملة.

المشهد الثالث: في الطرف الآخر… صبر وألم

في الأردن، كانت أرملة أخيه تعيش واقعًا مختلفًا تمامًا.

الفقر يطرق بابها بلا استئذان، والحاجة تطاردها في تفاصيل يومها، والطفل يكبر وهو يرى أمه تكافح وحدها.

لم يكن هناك عمٌ يسأل، ولا مالٌ يعود.

لكن الله سخّر لها أهل الخير وأبناء الحلال، فكانوا سندًا في تعليم اليتيم ورعايته.

نشأ الشاب عزيز النفس رغم قسوة الظروف.

كبر وهو يعلم أن له حقًا ضاع… لكنه لم يملك إلا الصبر.

المشهد الرابع: العودة… وبناء القصور

بعد خمسة عشر عامًا، قرر العم العودة إلى الأردن.

عاد بثروة ضخمة، واشترى أرضًا واسعة في منطقة راقية تُدعى “أم أذينه”.

شيّد عليها فيلا فاخرة، زودها بأحدث التقنيات وأفخم الأثاث، وأطلق مشروع شركة عالمية لبيع السيارات، ذاع صيتها في البلاد.

صار اسمه يتردد في المجالس.

وأصبح يُنظر إليه كرجل أعمال ناجح عاد ليستثمر في وطنه.

لكن المال الذي ارتفعت به الجدران… كان له صاحبٌ آخر.

المشهد الخامس: المواجهة

ذهب الشاب اليتيم – وقد صار رجلًا – إلى فيلا عمه.

لم يطلب المستحيل، ولم يطمع في الثروة.

طلب فقط بعضًا من مال أبيه.

وقف أمامه بعينين تمتلئان رجاءً وكرامة.

لكن الرد جاء قاسيًا:

“ليس لك عندي شيء.”

ثم طرده من البيت، وقال بحدة:

“إياك أن تعود إلى هنا مرة أخرى.”

خرج الشاب منكسر الخاطر.

لم يكن الألم ألم مال… بل ألم إنكار.

IMG-20260222-WA0001
 

المشهد السادس: اللحظة الفاصلة

بعد أن جهّز العم الفيلا لاستقبال عائلته القادمة من أمريكا، ذهب بنفسه إلى المطار ليستقبل زوجته وأبناءه.

كان ممتلئًا فرحًا… متحمسًا للحياة الرغيدة التي تنتظرهم.

وفي طريق العودة، وقع الحادث.

حادثٌ مروّع أنهى حياة العم وزوجته وأبنائه جميعًا.

وفي لحظة واحدة… انقلبت الموازين.

المشهد السابع: حين يعود الحق

كانت المفاجأة أن الشاب اليتيم أصبح الوريث الوحيد لعمه.

لم يكن يدري أن المال الذي حُرم منه يومًا، سيعود إليه بعد أن نُمي واستُثمر خمسة عشر عامًا.

وكأن الله جعل العم سببًا في تنمية المال…

ثم أعاده إلى صاحبه الحقيقي.

العبرة: عدل الله لا يغيب

قد يتأخر العدل…

وقد يظن الظالم أن الأيام تمضي بلا حساب…

لكن الله لا ينسى.

دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

ومال اليتيم ليس مالًا عابرًا، بل أمانة عظيمة توعّد الله من يأكلها بالوعيد الشديد.

هذه القصة ليست عن حادثٍ مأساوي…

بل عن حقيقةٍ ثابتة:

أن الحق قد يغيب عن أعين الناس…

لكنه لا يغيب عن عين الله.

{وما كان ربك نسيّا}

رسالة إلى كل من وُضع في يده مالٌ ليس له:

قد تستطيع أن تخفي الأمر عن الناس…

لكن لا يمكنك أن تخفيه عن السماء.

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google سياسة الخصوصية and شروط الخدمة apply.