`
السلام النفسي

السلام النفسي

"صنم" الاستحقاق وجفاء العلاقات: معركة الأنا وضياع المروءة

 

دعوة صادقة للعودة إلى قيم الصبر، وجبر الخواطر، وإحياء مبدأ {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} في زمن عزّ فيه الوفاء."

أودُّ أن أبثكم حديثاً عن حملٍ ثقيل بات ينوء به كاهلنا جميعاً.. عن "صنم" جديد بدأنا نعبده دون إدراك، وعن قسوةٍ مفرطة غُلِّفت بأغلفةٍ أنيقة تحت مسميات "الاستحقاق" و"رسم الحدود".

1. بين إيثار الأنصار وأنانيتنا المعاصرة

كلما تأملتُ وصف الأنصار في القرآن الكريم: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، أقفُ مذهولاً؛ بشرٌ في أشد الاحتياج، وفي ضيقٍ من العيش، ومع ذلك يتجاوزون "ذواتهم" من أجل "غيرهم"!

ثم ألتفتُ إلى واقعنا المعاصر، فأجدنا قد استلبنا مفاهيم علم النفس —التي وُجدت للرحمة والوعي— وحوّلناها إلى نصالٍ نذبح بها بعضنا بعضاً بدمٍ بارد.

2. حين يتحول الوعي إلى قطيعة

إن عبارة "اعتزل ما يؤذيك" قد تحولت في زمننا إلى فرمانٍ لقطع الأرحام، وهجر الأصدقاء عند أول عتاب، وتقويض أركان البيوت عند أول عقبة:

  تصنيف الآخر: كل من يطالبك بحقٍ أصيل، يُصنَّف بأنه "شخصية سامة".

  بخل العطاء: وكل من يحتاج منك جهداً إضافياً، يُتهم بأنه "يستنزف طاقتك".

  غياب الصفح: وكل من يخطئ عفواً، يُجابه بعبارة: "طاقتي لا تسمح، وأنا أستحق الأفضل".

 استحقاقٌ، فاستحقاقٌ، فاستحقاق.. حتى نسينا "الواجب"، وذهل القوم عن "الفضل"، وضاعت "العشرة" في مهبِّ الريح.

 

3. حقيقة السلام النفسي

يجب أن ندرك يقيناً أنك لستَ مركز الكون، وأن التنازل ليس دائماً "ضعفاً"، وأن الصبر على أذى الناس وطباعهم هو جزءٌ من تكاليف الدين وليس سذاجة.

  أين أنت من الصبر؟ وكيف يكون الجزاء من رب العباد إذا صبرت لوجه الله، لا انتظاراً للشكر من الخلق؟

  القوة الحقيقية: القوي هو من يتحمل ويصبر، وليس من يقاطع ولا يستطيع التعامل مع الناس.

 قاعدة التعامل: تعامل مع من حولك بما يُملي عليك ضميرك، ولا تتعامل معهم بجنس عملهم؛ جرب وستكون أنت الرابح.

يقول الرسول ﷺ:

 «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».

 (تأملوا جيداً: "يخالط ويصبر"، ولم يقل "يعتزل ويحظر")

 

4. صور من الواقع المؤلم

إننا نشهد موجة جحودٍ مرعبة، حيث يُباع الودُّ عند أول معضلة تحت "شماعات نفسية" تبرر الأنانية:

 الوالدين: ابنٌ يصف برّه بأمه بأنه "ضغط نفسي". نصيحة: إذا تيقنت أن طاعة الوالدين من طاعة الله، فاجتهد فيها كأنك تبتغي شهادة عليا لتنال سعادة من أبواب لا تتوقعها، وإياك والتأفف فإنه ينقص أجرك.

  الزواج: زوجة تتخلى عن زوجها في أزمته لأنها "تستحق ميسوراً". نصيحة: الإخلاص ألا تقارني حياتك بأحد، وأن تسعي لرضا زوجك، فالله سيسخر لكِ قلبه ولو كان حجراً إذا رفعتِ يديكِ للسماء.

  الصداقة: صديق يترك صديقه في أوج وجعه مبرراً: "لستُ معالجاً نفسياً، أبحث عن طاقة إيجابية". نصيحة: كن السند وقت الحاجة بقلب مخلص، فرب أخٍ لم تلده أمك، ودع الأيام تثبت لك عوض الله الجميل.

5. دعوة للمراجعة والعودة

فاثبتوا، وراجعوا مفاهيمكم؛ فليست كل الأمور تدور حول "الأنا". هناك ثوابت تسمى "حق الله في خلقه"، و"جبر الخواطر"، و"لين الجانب".

  حتى إن استدعى الأمر وضع حدود، فلتوضع برحمة ومراعاة للآخر.

 لو تعلمون عظمة جبر الخواطر، لسعيتم لها في كل مكان مع القريب والبعيد.

 اخرجوا من سجن "الأنا"، واكسروا صنم "الاستحقاق المزيف" وتواضعوا، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

الميزان الذهبي:
{وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}

هذه الآية ليست للأزواج فقط، بل للآباء، الأبناء، الأهل، الأصدقاء، والجيران. هذا هو الميزان الذي يمنح الحياة طعماً، وما دونه ليس إلا غابة ينتهي فيها المرء وحيداً.

خاتمه

لا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث إلا في الدين (إذا كان سيؤذي دينه)؛ أما أمور الدنيا، فنسدد ونقارب ونبتغي وجه الله.. والله المستعان.

 

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google سياسة الخصوصية and شروط الخدمة apply.